
في أحد صباحات مايو الحارقة، كانت مريم تحاول عبثًا أن تهدئ بكاء صغيرتها التي أنهكها الجوع مع إخوتها لأيامٍ متتالية. كانت الأم تحارب مرضها، وتحارب معه عجزًا أشد قسوة؛ فلا ثمن وجبةٍ يسكت الجوع، ولا سعر دواءٍ يخفف وطأة الألم، ولا معرفة لها في العاصمة ببابٍ يمكن أن يُطرق ساعة الضيق. كان المرض والفقر والوحدة يجلسون معها إلى مائدةٍ واحدة، بينما يمتد أمامها انتظار المستشفيات الطويل كأنه طريقٌ بلا نهاية.
ثم جاءت إيثار؛ لا بوصفها جمعيةً تملأ الاستمارات وتجمع الصور الأرشيفية، بل باعتبارها يدًا امتدت في اللحظة التي يتراجع فيها الجميع. تكفلت بعلاجها، ورافقتها في رحلة الفحوص والمواعيد، ووفرت لها سقفًا يحميها ومشروعًا صغيرًا يعينها على مواجهة الحياة، فخفّ ذلك الليل الثقيل الذي كان المرض والوحدة يقتسمانه معها.
ولم تكن مريم حالةً استثنائية، بل كانت عنوانًا لقصص كثيرة رأيتها بعيني، لا من وراء التقارير المكتوبة، وإنما من قلب المواكبة اليومية، ومن خلف الكاميرا، ومن أحاديث الممرات التي لا تصل كلها إلى الناس. ومن تلك الزاوية تحديدًا، اكتشفت أن بعض المؤسسات لا تُعرف من شعاراتها، بل من أثرها.
فإيثار التي رأيت ليست نشاطًا موسميًا يُستدعى عند المناسبات، ولا صورةً تُلتقط عند تسليم تبرع ثم تُطوى الصفحة بعدها. إنها ورشة عمل لا تنام، وعالمٌ كامل من الجهد الصامت الذي لا يظهر للجمهور إلا جزءٌ يسير منه. خلف كل منشورٍ يُنشر لجنةٌ تعمل، وخلف كل مريضٍ يبتسم بعد رحلة علاجٍ قاسية أيادٍ كثيرة لا يذكرها أحد. هناك من يلاحق الملفات الطبية بصبرٍ نادر، ومن يسعى لتأمين الدواء، ومن يدير شؤون الإيواء، ومن يحصي الاحتياجات، ومن ينسق الزيارات، ومن يتحرك بين المشاريع كأن الوقت خصمٌ لا ينبغي السماح له بالانتصار.
ولعل من أبرز ما يميز جمعية إيثار أنها لا تكتفي بممارسة الخير بصورته التقليدية، بل تسعى بإصرارٍ واضح إلى أن تكون مؤسسةً بالمعنى الكامل للكلمة؛ مؤسسةً تُبنى باللوائح، واللجان، والبرامج، والتخطيط، والحوكمة، لا بالعفوية وحدها. فالعمل الخيري الذي لا يتحول إلى مؤسسة يظل رهين الظروف وتقلباتها، أما حين يُبنى على أسس واضحة، فإنه يتحول من مبادرةٍ فردية إلى أثرٍ باقٍ. ومن هنا يمكن فهم ذلك الحرص الدائم على بناء مشروعٍ لا يعتمد على الحماسة وحدها، بل على القدرة على الاستمرار.
وخلال المواكبة، رأيت حجم الزيارات التي حظيت بها الجمعية؛ أطباء، وإعلاميون، وعلماء، ودبلوماسيون، وفاعلو خير، ووفود جمعوية، وشخصيات عامة. وكان الانطباع الذي يتكرر، بصيغٍ مختلفة، يكاد يكون واحدًا: هذا مشروعٌ أكبر من أن يُترك وحيدًا. فالقضية هنا لا تتعلق ببنايةٍ أو نشاطٍ خيري عابر، بل بمشروعٍ وطني يمس واحدًا من أكثر الأمراض قسوةً، وأكثر الملفات الإنسانية إيلامًا.
لقد رأيت في هذه التجربة وجوهًا أنهكها العلاج ثم أعادتها العناية إلى الحياة، ورأيت مرافقين يأتون من أقصى البلاد يحملون القلق أكثر مما يحملون الأمتعة، ورأيت متطوعين يعملون بصمتٍ جميل، لا يرجون إلا العون والقبول. ورأيت، قبل ذلك كله، مشروعًا يستحق أن تتسع له الأكتاف، وأن يجد دعمًا يوازي حجمه، وأن يُنظر إليه باعتباره شريكًا وطنيًا في معركة العلاج والكرامة الإنسانية. فالمؤسسات الكبرى لا تُبنى بالإعجاب وحده، والمشاريع الإنسانية لا يكفي أن نصفق لها من بعيد، بل تحتاج من يحمل حجرًا في البناء، ومن يؤمن بأن تخفيف الألم مسؤولية جماعية، لا عبئًا يُترك على أكتاف قلةٍ من الناس.
هذا، ببساطة، بعض ما رأيت. رأيت مريضًا وجد من يقف معه حين ضاقت الأرض، وفريقًا يعمل حين يخلد الناس للراحة، وفكرةً تحاول كل يوم أن تتحول إلى مؤسسةٍ بحجم الألم الذي تواجهه.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه الكلمات وتقل الأفعال، يبقى الفعل أبلغ، وتبقى الرحمة -حين تُنظم وتُدار وتُصان – وطنًا صغيرًا للمنهكين.
